السيد نعمة الله الجزائري
10
عقود المرجان في تفسير القرآن
يدي من شدّة البرد وكنت لا أشعر به . وهكذا كانت الأحوال إلى ثلاث سنوات . فشرعت في تأليف مفتاح اللّبيب على شرح التهذيب في علم النحو ، ومتنه من مصنّفات شيخنا بهاء الدين محمّد تغمّده اللّه برحمته . وكتبت في ذلك الوقت شرحا على الكافية . فقرأت علوم العربيّة عند رجل فاضل من أهل البغداد ، والأصول عند رجل محقّق من أهل الأحساء ، والمنطق والحكمة عند المحقّقين المدقّقين شاه أبي الوليّ وميرزا إبراهيم ، وعلم القراءة عند رجل فاضل من أهل البحرين . وكنّا جماعة نقرأ عند الشيخ الجليل الشيخ جعفر البحرانيّ . وكنت أنا أسمع ذلك الدرس بقراءة غيري . فإذا أتينا إلى ذلك الشيخ ، فكلّ من يجلس قبل يقول له : اقرأ ، حتّى يجلس القارئ . وكان يشجّعنا على الدرس وعلى فهم معناه من المطالعة ويقول لنا : إنّ الأستاد إنّما هو للتيمّن والتبرّك ، وإلّا ففهم الدرس وتحقيق معناه إنّما هو من مطالعة التلميذ . وقد اتّفق أنّه جاءنا خبر فوت جماعة من أعمامنا وأقاربنا ، فجلسنا ذلك اليوم في عزائهم وما رحنا إلى الدرس . فسأل عنّا وقيل له : إنّهم أهل مصيبة . فمضينا إلى الدرس اليوم الثاني ، فلم يرض أن يدرّسنا وقال : لعن اللّه أبي وأمّي إن درّستكم ! كيف ما جئتم أمس إلى الدرس ؟ فحكبنا له ، فقال : كان ينبغي أن تجيئوا إلى الدرس فإذا أقرأتموه انصرفتم إلى عزائكم . هذا أبوكم يأتيكم أيضا خبر فوته فتقطعون الدرس . فحلفنا له أنّا لا نقطع الدرس يوما واحدا ولو أصابنا ما أصابنا ، فقبل أن يدرّسنا بعد مدّة . واتّفق أنّنا كنّا نقرأ عنده في أصول الفقه في شرح العميديّ ، فاتّفقت فيه مسألة لا تخلو من إشكال ، فقال لنا - ونحن جماعة - : طالعوها هذه اللّيلة . فإذا أتيتم غدا ، فكلّ من عرفها يركب صاحبه ويحمله من هذا المكان إلى ذلك المكان . فلمّا أتينا إليه غدا وقرّر أصحابي تلك المسألة ، قال لي : تكلّم أنت . فتكلّمت . فقال : هذا هو الصواب . وكلّ ما قاله الجماعة غلط . فقال لي : أمل عليّ ما خطر بخاطرك حتّى أكتبه حاشية على كتابي . فكنت أنا أملي عليه